عبد الله حسن العبد الباقي
تحتضن بلادنا المسجد الحرام والكعبة المشرفة قبلة مسلمي العالم والمسجد النبوي وقبر رسول الله الذي تهفو إليه أرواح المسلمين، وكل العالم بكل أديانه ورؤاه يعرف الإسلام عبر رؤيته إلى مكة والمدينة.
ففي مكة بزغت الرسالة المحمدية وما أن بدأ الرسول بنشر رسالته حتى تداعت القوى المتنفذة من «رجالات قريش» للتصدي لتلك الرسالة ورفعت شعار الحفاظ على دين الآبار والأجداد وعلى التقاليد والأعراف، وعانى الرسول وأصحابه من التضييق والحصار من أجل حجب الرسالة مع أنها كانت لا تطالب إلا بحرية التواجد «لكم دينكم ولي دين».. واستمرت المؤامرات وصمد رسول الله وأصحابه فما كان من تلك القوى المتنفذة إلا أن تحاول تصفية المسلمين وتعذيبهم وقتلهم، إلى أن وصل الأمر إلى محاولة اغتيال الرسول صلى الله عليه وسلم ذاته وأنقذه الله، واضطر للهجرة إلى المدينة «يثرب» وما أن استقر به المقام فيها حتى جسد على أرضها مجتمعا مدنيا متسامحا سمح فيه لكل الأديان بالتواجد عبر علاقات وقوانين ومعاهدات تنظم حرية الأديان بل حتى حرية عدم التعبد بأي دين «المؤلفة قلوبهم» ما داموا غير معادين للرسالة الجديدة.
ففي المدينة مارست المرأة مع أخيها الرجل كل الأدوار بدءا بإيمانها بالرسالة والصلاة خلف رسول الله في ذات المسجد، وتعلمت وناقشت وردت ومارست التمريض أثناء الحروب. وتبنت الرسالة المساواة والعدالة حيث مقتت القبلية وكل النوازع العنصرية التي تفرق بين البشر «لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى» وتزوج الحبشي من القرشية وتآخى الناس والقبائل المتصارعة في الماضي. وتوقفت الحروب العبثية التي كانت تجري على أتفه الأسباب وتوقف وأد الأنثى وتكون مجتمع مدني تآخى فيه المسلمون بغض النظر عن انتماءاتهم القبلية أو الأثنية لأن الرسالة المحمدية للناس كافة.
ذاك يضع مسؤولية كبرى على هذا الوطن «بلاد الحرمين» الذي بزغت فيه هذه الرسالة الإنسانية التي أول ما فعلته هو الاعتراف بالأديان الأخرى والرسالات السماوية بل إن الإيمان بها لا يتم إلا بالإيمان بتلك الكتب السماوية «الإيمان بالله وكتبه ورسله» وطرحت حرية المعتقد «من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، «لكم دينكم ولي دين». المسؤولية تكمن في تمثل واستيعاب هذه الرسالة التي وجدت لكل زمان ومكان وذاك عبر القراءة والتجديد في الزمان والمكان وقراءة أحداث وتطورات العصر وفهم مستجداته ومقتضياته برؤية تراعي مقاصد الشريعة ومبادئها الأساسية القائمة على العدل والحرية والمساواة.
بلادنا باعتبارها حاضنة للحرمين أمامها مسؤولية تبني رؤية حضارية إسلامية تتوافق مع العصر وتستوعب كل مسلمي العالم وكل العلاقات مع البشر بصورة إنسانية، وهذا ما يحاول فعله خادم الحرمين الشريفين عبر الحوار بين المذاهب وحوار الأديان وعبر السلم والتسامح والمطالبة بالحقوق والعدل على المستوى الدولي..
إلا أن خطاب التكفير ولشديد الأسف يأبى إلا أن يبرز بين آونة وأخرى ليطل برأسه محاولا التصدي للرسالة الحضارية والإنسانية عبر إصدار فتاوى لا تكفر فقط المغاير بل تكفر أغلبية المسلمين وأغلبية مجتمعنا ذاته وتفتي بالقتل والتصفية الجسدية للمخالف تماما كما حاول «رجالات قريش» اغتيال رسول الله وأصحابه. فتوى البراك بشأن الاختلاط هي على العكس تماما من الدور الذي على بلادنا أن تفعله في نشر رسالة المحبة والسلام والتسامح والتنوير. والعالم الذي يتصيد كل شاردة وواردة من هذه الفتاوى، وخصوصا في ظل تواجد الإرهاب وعمليات التفجير والتفخيخ وممارسة العمليات الانتحارية التي حصدت من أرواح المسلمين أضعاف ما حصدته من غيرهم سيظل يلاحقنا بتهمة الإرهاب ولصقه بإسلامنا. هذه الفتاوى الصادرة من «شيوخ سلفيين كبار». كما يحلو للإعلام العالمي أن يبرزها تضع أمامنا العراقيل وتصيب دعوات الحوار في مقتل، وذاك يتطلب من أجل الحفاظ على هذه الرسالة الإنسانية تنظيم عملية الفتوى وحصرها في «دار للإفتاء» تجمع علماء المذاهب الإسلامية وتخرج فتواها بالإجماع مراعية مقاصد الشريعة ومآلات الفتوى وما يترتب عليها. أما الشيوخ خارج إطار تلك الدار فلهم أن يقولوا آراءهم تجاه هذه المسألة أو تلك مع «الاختلاط» أو ضد الاختلاط ليقف الرأي عند ذاك الحد وذاك من حقهم، لكن ليس كفتوى بل كرأي، ويجب تجريم دعاة القتل والتفسيق والتبديع للآراء الأخرى من خلال قانون ينظم الأمور ويجعلها في نصابها الصحيح حفاظا وصونا لروح الرسالة المحمدية ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾.. صدق الله العظيم. |